الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة مسرحية "(الـ)حلم" للفاضل الجعايبي وجليلة بكار: في معنى الحلم زمن الاستهداف

نشر في  29 جانفي 2026  (12:26)

باختياره المطبخ مسرحا لأحداث مسرحية "(الـ)حلم"، حاول الثنائي فاضل الجعايبي وجليلة بكار الاقتراب أكثر ما يمكن من عظم المجتمع، فعندما ينفصل اللحم عن الهيكل، تتبدى للأنظار حالة اجتماعية فجّة لأناس لم يبق لهم الا القليل القليل يتشبثون به لكي يستمروا. فمن خلال عيّنة من الشخصيات (صاحبة الشقة جميلة (جليلة بكار)، حارس العمارة جميل جمال عبد الناصر (جمال المدني)، الصحافية الاستقصائية بيّة (مريم بن حميدة)، عامل النظافة طاهر (منير خزري)، المرافقة الحياتية نعيمة (جليلة بكار)، المريض بالتوحد باديس (محمد شعبان))،يرسم العمل فسيفساء اجتماعية تتعدّد فيها أشكال الإقصاء والهشاشة لفئات عديدة من مجتمعنا.

تدور أحداث مسرحية "(الـ)حلم" في مطبخ عمارة "المورو" الكائنة بنهج راضية حداد بتونس العاصمة، والتي تعود الى سنة 1925. مائة سنة من الصمود في وجه الاستعمار ومن مواجهة الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تلته. فالمبنى، شأنه شأن متساكنيه، جزء لا يتجزأ من جسد العاصمة المنهك. وها هو اليوم محلّ أطماع احدى الشركات الخاصة التي تريد الاستحواذ عليه لهدمه وبناء عمارة عصرية مكانه. غير أنّ جميلة، احدى المتساكنات العنيدات، تتصدى لمساعي الشركة الدنيئة، لتعلن بكل راديكالية انها ستُقدم على نسف المبنى بنفسها لو حاولوا المساس منه!

ومع هذه العقدة الدرامية الأولى التي تزرع حبّات عمل مسرحي يتنزل في سياق يُلوّح بالصمود وبالمواجهة أمام محاولات التغييب والسلب والتلاعب بالذاكرة والهوية، اختار الثنائي الجعايبي-بكار تكثيف النسيج السردي للمسرحية بحدث قادح انعطف بالعمل في مجرى احدى القضايا الراهنة التي تعيش على وقعها تونس. اذ يستفيق متساكنو العمارة على خبر مقتل جوليات، وهي الأستاذة الحامل واللاجئة الجنوب صحراوية التي تعيش سرّا في الطابق السفلي للعمارة.

يتحوّل عندها الفضاء المسرحي "المطبخ" من حيّز يومي مألوف الى فضاء مواجهة جماعية بين طرفين اثنين: سكان عمارة "المورو" من جهة، وصوت المحقق المتحكم الذي يسعى لكشف ملابسات الجريمة التي أودت بحياة جوليات من جهة أخرى.

بصفة أدقّ، اتخذت مسرحية "(الـ)حلم" شكل تحقيق معمّق لا يعمل على كشف الوقائع، بل يسعى لزرع الشكّ والاتهام المسبق وإعادة ترتيب العلاقات بين المتساكنين. فمن خلال صوت المحقق الذي يجتاح المكان، تتجلّى آليات اختراق السلطة للفضاء الخاص الذي يصبح فيه متساكنو العمارة محلّ مراقبة ومتابعة أسوة بشخصيات رواية "1984" لجورج أورويل عندما تتسلّل السلطة إلى أدقّ تفاصيل الأفراد لمراقبتهم ولإخضاع فكرهم وذاكرتهم ومشاعرهم.

بلا شموع تنير ظلمة المطبخ ولا أحلام تسعف قتامة الفضاء، تتوفق المسرحية في ربط خيوط سردية تُعلي أفكار الذاكرة الجماعية وحقوق الآخرين وحرية التعبير فضلا عن تيمة هيمنة السلط. اذ كيف لمجتمع ان يصمد ويقاوم إذا كانت ذاكرته مهددة وحريّة قوله مستهدفة وإذا كانت علاقته مع الآخر موضع اقصاء وكره.

غير انّ هذه المفاهيم الكبرى التي تُشكّل البعد الفكري للمسرحية لا ترمي بثقلها على سيرورة العمل الذي ظلّ حيّا بلغته المنفلتة ولصيقا بحيوات شخوصه في تفاصيلهم البسيطة والمضحكة-المبكية في آن. النصّ في كليّته نسيج من السخرية الاجتماعية ومن المواقف الطريفة رغم دوامة الصراعات التي اقتادت اليها مختلف الشخصيات.

ترسم مسرحية "(الـ)حلم" ملامح عالم خانق ومنهار يصعب فيه الحلم بعد أن تحوّلت فيه السلطة لماكينة لاستهداف الافراد وللتحكم فيهم، فلا خصوصيّة ولا حقوق ولا حريّة ولا اعتراف ولا اختلاف ولا حتى هامش للخطأ ولو أنّ النبرة الاستهزائية والمتحدية لجميلة تظلّ الصوت المضاد الذي لا يقبل المهادنة. فهل آن لهذه القبضة ان تنتهي؟

تجسد عمارة "المورو" هذا العالم المصغّر الذي لم يبق فيه مجال للحلم ولو أنّ عنوان المسرحية يُوحي بعكس ذلك. قد تكمن المخاتلة الدرامية في هذه الأحلام التي لا نراها ولا نلمسها ولكنها كامنة في الدواخل وفي الكتابات الحرّة وتحت جليز المطابخ والتي لا يمكن أن تظلّ مكتومة الى ما لا نهاية.

شيراز بن مراد